روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

87

عرائس البيان في حقائق القرآن

التوحيد وزوال الحدث في القدم ، وجعل المشيئة مشيئة واحدة ، وهي المشيئة التي لا مدخل فيها لمشيئة الحدثان صرف عن سوابق القضاء والقدر علة اكتساب الخلق . [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 53 إلى 54 ] وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَ حَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ( 53 ) وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما فِي الْأَرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 54 ) [ تفسير الآية 53 ] قال بعضهم : نفى السيد الأخص أن يكون له من نفسه شيء ، أو يعتمد لها حالا بل أظهر أن الكل منه ، ولمن له الكل من لا يملك الأصل ، فكيف يملك فروعه من لم يملك نفسه كيف يملك ضرها ونفعها ؟ ومن صحت له هذه الحالة ، فقد سلم من مدح الخلق ، وذمهم بالطمع فيهم والتوسل بهم . قوله تعالى : وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَ حَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ أخبر سبحانه عن عمى الجاهلين الذين لم يروا أنوار جلاله وعظمته في مرائي كل ذرة ؛ لأنهم في غواشي طباعهم محجوبون عن شهود الحق على كل شيء ظهور نفسه . ومصداق ذلك قوله : أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ( 53 ) [ فصلت : 53 ] ، ثم أخبر عن وصفهم وشكوك بواطنهم . وقال : أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ ، ومن كان محجوبا عن لقائه فأيضا يكون محجوبا إذ أن أسرارهم عن حقائق الخطاب ، وعن فهم معانيه ، وإن كان لهم بصيرة صافية يرون بها المخبر عنه في الخبر ، ولا يحتاجون إلى الاستخبار منه ؛ لأن وراء كل خبر أثر . قال بعضهم : أنوار الحق مشرقة ، وآثاره ظاهرة لا يشك فيها إلا معاند ، ولا يعمى عنها إلا ضال ، فالمتحققون بحقائق الحق هم سالكون مسالك أنوار الحق في مقاصدهم ومواردهم ومصادرهم ، والراجعون منها إلى الأغيار هم الضالون عن سنن الحق . قال اللّه تعالى : وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَ حَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ . [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 55 إلى 56 ] أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 55 ) هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 56 ) [ تفسير الآية 55 ] قوله تعالى : أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ اشتد غوائم القدم بأن الأكوان ، والحدثان صادرات من فيض فعله سحرت في بطش عزته محتاجات إلى مزيد رحمته حسم أطماع عبيده عنها ، وصرف وجوههم منها إلى نفسه إذ لا ذرة من الكون جارية إلا بمشيئته فمادام الكل له ، فابذل كلك لكليته حتى يكون كله لك لا غير ،